أحمد ياسوف
134
دراسات فنيه في القرآن الكريم
من هذه الومضة الفنية التي قدّمها الرضي نفهم الإلحاح على الجانب الحسي لأصل الاستعارة ، فماضي الكلمة المعجمي يقدم جماليات فائضة حين يتعانق الروحي والحسي ، فالضرب يعني وجود خيمة كبيرة من الذلة والمسكنة تلك المشاعر القلبية التي صارت غطاء ، ولفظة الضرب في الفعل الماضي تدل على سرعة الانتقام الرباني ، وهي تشي بالمهانة لأنه ضرب يأتي من الأعلى ، فيتضاءلون تحته . كما أن هذا الفعل ببنائه للمجهول يجعل المتلقي مشغولا بالحدث ، مما يعني استحواذه على المشهد ، حتى لا يجد الناظر هذه الحركة الروحية الحسية ، كما أن ضرب الخيمة أداة الذل ، يقدم لنا صورة آخذة في التعتيم مائلة إلى الأسود ، مثلما هي قلوب اليهود مما يوحي بالكآبة والغموض والشؤم . وقد اقترب الشريف الرضي من إيحاء أثر الفجاءة في اختيار فعل « قذف » الذي يجسم الإحساس بالرعب مدركا مدلول القوة والسرعة في الكلمة ، يقول : « ألقى الرعب في قلوبهم من أثقل جهاته ، وعلى أقطع بغتاته ، تشبيها بقذفه الحجر إذ صكّت الإنسان على غفلة منه » « 1 » . يتضح أن الرعب وهو خوف آني فظيع ليس ينبعث من الداخل ، بل يختلط المحسوس بالروحي من خلال حركة مرثية سريعة كما يوضح الفعل الماضي ، هذه الحركة الخارجية تقتحم العالم الروحي وتضربه ، وهكذا غدت مشاعر الرعب الوافدة جسما كثيفا يسري أمام الباصرة ، ثم يقتحم القلوب ، وفي تأخير الذهني « الرعب » تشويق كبير إلى نتيجة هذه الحركة التي تتخذ ذروة قوتها بعد دخول القلوب « في قلوبهم » وكأنه يبدأ من جدران القلوب .
--> ( 1 ) تلخيص البيان ، ص 264 .